عبد العزيز كعكي

23

معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ

بتمهيد عام خصصته لدراسة الخصائص الجغرافية والطبيعية للمدينة المنورة وتعتبر هذه الدراسة هي المدخل الأساسي للتعرف على مجمل خصائص ومميزات موقع المدينة المنورة وطبيعته الجغرافية ، كما يمكن من خلالها التعرف على ما تعكسه من خصائص فكان لتأثير البيئة الطبيعية الجغرافية بعامة والمناخ بوجه خاص تأثيره على حياة المجتمع والأفراد القاطنين بها ، فتميز السكان بعاداتهم وتقاليدهم وأنماط بنائهم وأساليب حياتهم . والمدينة المنورة كما هو معروف ذات موقع ، تميز بارتفاع درجات الحرارة صيفا وشدة البرودة شتاءا ، فبنيت عمارتها بالطين والحجارة والطوب وشيدت مبانيها بالمواد الطبيعية الملائمة للمناطق الحارة فظهر نسيجها العمراني وقد احتوى على الأزقة والطرقات الضيقة التي وفرت أكبر قدر من الظلال ، كما كسيت معظم واجهات مبانيها بالرواشين والمشربيات التي قللت من مساحة الأجزاء المعرضة لأشعة الشمس . كما تميزت المدينة المنورة بأنها واحة خصبة يكثر بها النخيل ، فظهرت عمارتها وقد اعتمدت على الثروات الزراعية فاستخدمت المشتقات الزراعية في صناعة الأثاث والمستلزمات المنزلية والزراعية والصناعية وعمليات البناء والتشييد . كما تميز موقع المدينة المنورة بوجود الكثير من الجبال والحرات التي شغلت أجزاء كبيرة من مساحتها فكانت الأحجار بذلك أحد العناصر الأساسية في بناء وتشييد مباني المدينة هذا إلى غير ذلك من المؤشرات والمدلولات الحقيقية التي يمكن التعرف عليها من خلال مجمل الدراسات الجغرافية والطبيعية وما لعبته من دور كبير وبارز في تحديد خصائص وحضارات المدن ، ثم تلا تلك الدراسات سبعة فصول تناول كل فصل منها مرحلة من مراحل التطور العمراني للمدينة المنورة بدءا من مرحلة ما قبل الاسلام ثم عصر النبوة فالخلفاء الراشدين ويليه العصر الأموي فالعباسي والمملوكي والعثماني والهاشمي ثم ختم بالعهد السعودي الذي يعتبر من أكثر العهود التي أثرت في التركيبة العمرانية والحضارية للمدينة المنورة ، ثم ختم الموضوع بالخلاصة العامة التي تجمل ما سبق وتجمع ما افترق وتشبع حاجة المتعجل الذي يهمه موجز الأنباء ويتجاوز التفصيل . أما منهجية البحث والدراسة فقد تركزت على دراسة كل عهد بشكل منفصل وبالتالي استقصاء ما أمكن استقصاؤه من معلومات عن كل مرحلة سواءا ما وجدت منها في كتب التاريخ أو ما استنبط من حوادث تاريخية أو ما وجد من تسجيل ووصف ومشاهدات لبعض الرحالة الذين قدموا إلى المدينة المنورة في فترات زمنية مختلفة . ثم أنهيت كل مرحلة من تلك المراحل بملخص لأهم عناصر التطور العمراني والتقدم الحضري للمدينة المنورة في تلك المرحلة ، وقد شغل العهد الحالي « عهد الدولة السعودية » أيدها الله ما يقارب من نصف هذا الجزء لما تميز به هذا العهد الزاهر من تطور عمراني شامل تناول شتى القطاعات المختلفة فكان له التأثير الواضح والكبير في البنية العمرانية والحضرية للمدينة المنورة ، ولعل في توسعة وعمارة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله وما صاحبها من مشاريع مساندة أكبر دليل على ما تشهده المدينة المنورة اليوم من تطور عمراني شامل كان له الأثر الواضح في تغير البيئة العمرانية والحضرية ، وقد حرصت قدر الإمكان على التوثيق العلمي والتاريخي لكل ما ورد في هذا الجزء . وها أنا اليوم أقدم هذا العمل المتمثل بالجزء الثاني تحت عنوان « معالم التطور العمراني والتقدم الحضري للمدينة المنورة » وأضعه بين يدي القارئ الكريم وإلى كل محب لطيبة الطيبة ، والتي لا أرجو من ورائها سوى خدمة مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فأرجو من الله تعالى العون والتوفيق . مهندس معماري عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم كعكي شوال عام 1419 ه